ابن حجر العسقلاني
25
تلخيص الحبير ( ط العلمية )
قَوْلُهُ : " إنَّ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ فَسَّرَ قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا } [ النساء : 3 ] ، أَيْ :
--> = [ وإنما قلت في الجملة ] ؛ لأن ما من مذهب من المذاهب المدونة تفاصيلها إلا وفيه صور يمتنع فيها هذا الحق اتفاقاً أو اختلافاً ، وقد اختلفوا أيضاً في نوع الفراق أطلاق أم فسخ ؟ وفي وقته أيعجل ، أم يؤجل يوماً أو أكثر ؟ . فهذا المذهب بالنظر إلى الصور المختلف فيها ، وإلى نوع الفراق ووقته ، يتفرع من مذاهب ، وسأذكرها بعد . الثاني : أن لا يثبت للزوجة حق طلب الفراق أصلاً ، بل عليها الصبر ، وهو قول الحسن ، وعطاء ، والزهري ، والثوري ، وابن شبرمة وابن أبي ليلى ، والظاهرية ، والهادوية ، والقاسمية ، وهو مذهب الحنفية وعبيد الله بن الحسن العنبري ، والمزني من أصحاب الشافعي ، وأحد قولي الشافعي ، وإحدى الروايتين عن أحمد . ثم من هؤلاء من قال : إن الزوج المعسر يحبس ، ومنهم من قال : يجب على الزوجة أن تنفق عليه وإليك أدلة أصل المذهبين ، ومناقشاتها ، والموازنة بينها : 1 - استدل المثبتون لحق الفراق بالكتاب ، والسنة ، ولأجماع ، والمعقول . أما الكتاب ، فآيات ، منها : [ أ ] قوله تعالى : { وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا } [ البقرة : 231 ] . وجه الدلالة : أن الله عز وجل نهى عن إمساك الرجال نساءهم مضاربين لهم ، والنهي يقتضي التحريم ، فكان الفراق عند الإعسار واجباً ؛ لما في الإمساك معه من المضار ، فإن لم يفعل ذلك كان للزوجة حق المطالبة به . [ وأورد عليه ] : - أولاً - أنه لو كان الفراق واجباً لما جاز الإبقاء إذا رضيت . [ وأجيب ] بأن الإجماع دل على جواز الإبقاء إذا رضيت ، فبقي ما عدا هذه الحالة على عموم النهي . [ وأورد عليه ثانياً ] : أن ابن عباس ، ومجاهداً ، ومسروقاً ، والحسن ، وقتادة ، الضحاك ، والبيع ، ومقاتل بن حيان ، وغيرهم قالوا : " نزلت في الرجل ، كان يطلق امرأته فإذا قارب انقضاء العدة راجعها ضراراً ؛ لئلا تذهب إلى غيره ، ثم يطلقها ، فتعتد ، فإذا شارفت على انقظاء العدة يطلق ؛ ليطول عليها العدة ، فنهاهم الله - عز وجل - ، وتوعدهم عليه ، فقال - تعالى - : { وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } [ البقرة : 231 ] أي بمخالفة أمر الله - عز وجل - " فعموم النهي ، لا يشمل صورة الإعسار ؛ لأنه خاص بما ذكر . [ وأجب ] بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . [ وأورد عليه ثالثاً ] : أن الآية لا تنطبق على المعسر بحال ؛ وذلك أن المضارة ، والعدوان ما يكون للشخص فيهما فعل واختيار ، وليس الإمساك مع الإعسار مضارة ، ولا عدواناً ، لأنه لا يد له فيه ، والمقصود من الآية إحسان العشرة ، فيما يدخل تحت قدرة العبد ، واختياره . وسبب النزول يعين على فهم الآية ، وإن كانت العبرة بعموم اللفظ ، فإنما يعم السبب ، وما ماثله . [ ويجاب ] بأن الذي لا يقدر على إحسان العشرة ؛ لإعساره لم يخرج من باب التكليف ؛ لأنه قادر على الفراق ، فإن لم يفعل فقد اختار الإمساك بغير المعروف ، وذلك حرام . وقريب من هذه الآية قوله تعالى : { وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ } [ الطلاق : 6 ] وقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا ضرر ولا ضرار " . =